في مارس 1906، تم التقاط صورة تظهر امرأة ترتدي ثوبًا فيكتوريًا داكنًا، تجلس على كرسي خشبي، وجهها هادئ وعيناها مثبتتان على الكاميرا. في ذراعها اليمنى، تحمل طفلاً ملفوفًا في قماش أبيض للتعميد. لكن عند النظر إليها لفترة أطول، يبدأ شيء غريب في الظهور.
تحت طيات القماش في ذراعها الأخرى يظهر شكل غريب يشبه الطفل، ولكنه لا يتطابق مع أي طفل عادي، وهو يشبه جسمًا بشريًا، لكن به أخطاء يصعب وصفها.

على مدار أكثر من قرن، أثارت هذه الصورة، المعروفة باسم “صورة هارتويل”، العديد من التساؤلات والشائعات والجدل. هل كانت مجرد صورة فوتوغرافية مأخوذة في فترة الحداد؟ أم أنها منتج من الألم والوهم؟ أم أنها توثق شيئًا أكثر غرابة؟

بدأت هذه القصة في عام 2019، عندما كانت جامع التحف مارغريت تشين تبحث في صناديق قديمة في بيع ممتلكات في بروفيدنس. هناك، عثرت على الصورة المطبوعه بتقنية السيبيا (الطباعة باللون البني الداكن) والتي كانت مكتوبة على ظهرها بحبر بني: “السيدة كاثرين هارتويل وأطفالها – استوديو بروفيدنس، مارس 1906”.
وكان مذكورًا كلمة “أطفال”، ولكن الصورة كانت تظهر طفلًا واحدًا فقط على قيد الحياة.
شعرت تشين بشيء غريب في الصورة، حيث لم تبدُ وضعية الأم كأنها تعبير عن الحزن، بل كانت كأنها تحاول أن تكون هادئة لكن دون أن تكون مطمئنة. وعندما وضعت الصورة أمام الضوء، ظهرت تفاصيل مخفية في الظل، حيث برز شيء غريب ملفوف في ذراع الأم الأخرى.
عندئذٍ شعرت تشين بصدمة، وقررت شراء الصورة مقابل خمسة دولارات.
بعد ذلك، بدأت تشين في البحث عن اسم السيدة كاثرين هارتويل في سجلات التعداد المحلي. تبين أنها كانت تعيش مع زوجها توماس، الذي كان يعمل مشرفًا في مصنع، وابنتهما الصغيرة ماري.
وفي السجلات الصحفية، اكتشفت إشعارًا بوفاة طفل آخر للسيدة هارتويل في 12 فبراير 1906، أي قبل أربعة أسابيع فقط من جلسة التصوير.
توفي ابنها الرضيع بعد مرض قصير، مما جعل تشين تتساءل: هل كان الطفل في الصورة هو الطفل المتوفى، تم تصويره وفقًا للتقاليد السائدة في ذلك الوقت لالتقاط صورة تذكارية للمتوفى؟ في تلك الفترة، كانت العائلات المفجوعة غالبًا ما تطلب التقاط صورة للأشخاص المتوفين وهم في وضعية نائمة، أحيانًا يتم وضعهم مع أقاربهم الأحياء.
لكن الصورة لم تحتوي على أي إشارات تقليدية للحزن مثل الزهور أو الأشرطة السوداء التي كانت تستخدم في مثل هذه الصور. وبدلاً من ذلك، كانت صورة عائلية عادية، مع ملاحظة تشير إلى “الأطفال”، وهو ما جعل الصورة أكثر إزعاجًا وتشويشًا. لذلك قررت تشين البحث في المزيد من التفاصيل.
في محاولة للحصول على إجابات، زارت تشين جمعية بروفيدنس التاريخية، حيث تم العثور على دفاتر العمل الباقية من استوديو بروفيدنس، الذي كان يديره المصور ألبرت فليتشر في عام 1906. وفي دفتر الحسابات، وُجدت الملاحظة التالية بتاريخ 14 مارس 1906: “السيدة كاثرين هارتويل – صورة عائلية، ظروف خاصة.
تم الدفع بمعدل ثلاث مرات السعر المعتاد. تم التصوير بعد ساعات العمل بناءً على طلب العميل. تم طلب تكوين غير معتاد. تم الاحتفاظ بالنسخة الأصلية لطباعة إضافية”.
كانت هذه الملاحظة غير معتادة للغاية. إذا كانت الجلسة تصويرية عادية، فلماذا تم دفع ثلاثة أضعاف السعر المعتاد؟ ولماذا تم التصوير بعد ساعات العمل الخاصة؟ وأين كانت “الظروف الخاصة” التي ذكرها فليتشر؟
استمرت تشين في البحث، وتمكنت من العثور على مجموعة من السلبية الزجاجية التي تخص استوديو فليتشر. وعند فحص السلبية، ظهرت تفاصيل إضافية في الصورة.
على الرغم من أن الطفل الظاهر في الصورة يبدو طبيعيًا، إلا أن التفاصيل المخفية في الشكل الثاني أظهرت طيات غير منتظمة وأشكالًا هندسية غريبة تحت القماش، مما جعل تشين تشعر أن الشكل كان محاولة لتقليد شكل طفل، لكن بشكل غير دقيق.
كتب فليتشر بنفسه على السلبية، قائلاً: “ليرحم الله هذه العائلة. لقد طلبت مني أن ألتقط هذه الصورة. قالت إنها الطريقة الوحيدة لإظهار الحقيقة”.
بعد أسابيع قليلة من هذه الجلسة، أظهرت السجلات التاريخية أن فليتشر ترك بروفيدنس وفتح عمله في بورتلاند، مين. ولم يتحدث علنًا عن سبب اتخاذه هذا القرار.
بحلول أبريل 1906، تم إدخال كاثرين هارتويل إلى مستشفى باتلر في ولاية رود آيلاند، وهو مستشفى للأمراض النفسية. سجل الطبيب المعالج في ذلك الوقت: “المريضة تظهر عليها أعراض الاكتئاب والتفكير الهلوسي. تدعي أنها شهدت حدثًا مستحيلاً. تصر على الاعتناء بـ ‘كلا’ الطفلين رغم أن واحدًا فقط على قيد الحياة”.
إثر ذلك، تم إدخال كاثرين إلى المستشفى لمدة ثلاث سنوات قبل أن تُفرج عنها في عام 1909، ليختفي أثرها من السجلات.
بعد سنوات، في عام 2023، تلقت تشين رسالة من إلينور بريتشارد، المقيمة في دار مسنين في فيرمونت، التي قالت إنها كانت قريبة بعيدة عن كاثرين. أكدت بريتشارد أن والدتها كانت قد ورثت يوميات تحتوي على ملاحظات كتبتها جدتها التي رعت كاثرين في سنواتها الأخيرة.
في هذه اليوميات، كتبت كاثرين عن تجربتها مع طفلها المريض، وكيف أنها وجدت شيئًا في مكانه بعد وفاته يبدو كطفل، لكنه لم يكن هو نفسه.
تظل صورة هارتويل لغزًا مستمرًا لأن العلماء والمؤرخين لا يزالون في حيرة حول تفسيرها. بعضهم يعتقد أن الصورة تمثل اصطدامًا بين الحزن والتكنولوجيا، بينما يرى آخرون أن كاثرين ربما عانت من هلوسة ما بعد الولادة بسبب وفاة طفلها.
البعض الآخر يعتقد أن الصورة قد تكون مجرد خدعة أو جزء من تقاليد تصوير الأرواح المنتشرة في تلك الفترة.
لكن حتى الآن، تظل الصورة حية في الذاكرة العامة، تثير تساؤلات وأفكارًا حول الحزن والإيمان والواقع، وتذكرنا بالصور التي لا تسجل مجرد لحظات، بل يمكن أن تخلد ألغازًا تستمر عبر الزمن.